أحمد بن محمد القسطلاني
182
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عن ابن عباس : أنه أناخ فصلّى ركعتين فلعل شربه من ماء زمزم كان بعد ذلك ، ولعل عكرمة إنما أنكر شربه قائمًا لنهيه عنه ، لكن ثبت عن علي عند البخاري أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شرب قائمًا فيحمل على بيان الجواز قاله في فتح الباري . وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأشربة وكذا الترمذي . 77 - باب طَوَافِ الْقَارِنِ ( باب طواف القارن ) هل يكفيه طواف واحد أو لا بد من طوافين ؟ خلاف يأتي ذكره إن شاء الله تعالى . 1638 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثُمَّ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا . فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ . فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى . وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن عروة ) بن الزبير ( عن عائشة - رضي الله عنها - ) قالت : ( خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع ) سنة عشر وسميت بذلك لأنه عليه الصلاة والسلام ودّع الناس فيها ولم يحج بعد الهجرة غيرها ، ( فأهللنا ) أحرمنا ( بعمرة ثم قال : ) عليه الصلاة والسلام : ( من كان معه هدي فليهلّ بالحج والعمرة ثم لا يحل ) بالنصب ، ولغير أبي ذر : لا يحل بالرفع ( حتى يحل منهما ) . أي من الحج والعمرة لأن القارن يعمل عملاً واحدًا كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى . قالت عائشة : ( فقدمت مكة وأنا حائض فلما قضينا حجنا ) أي بعد أن طهرت وطفت ( أرسلني مع ) أخي ( عبد الرحمن إلى التنعيم ) أدنى الحل إلى الحرم ، وإنما أرسلها إلى التنعيم لأن العمرة كالحج لا بد أن يجمع فيها بين الحل والحرم ( فاعتمرت ، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " هذه " العمرة ( مكان عمرتك ) . بنصب مكان على الظرفية أي بدل عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة لا أنها قضاء عن التي كانت أحرمت بها ، ( فطاف الذين أهلوا بالعمرة ) وحدها متمتعين وسعوا ( ثم حلوا ) لم يفرق بين من معه الهدي ومن ليس معه . وقال أبو حنيفة : من كان معه الهدي لا يحل من عمرته ويبقى على إحرامه حتى يحج وينحر هديه يوم النحر ، ( ثم طافوا طوافًا آخر ) للحج ( بعد أن رجعوا من منى ، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة ) وهم الذين كان معهم الهدي ( طافوا طوافًا واحدًا ) بغير فاء في طافوا الذي هو جواب أما ، لكن صرح النحاة بلزوم إثباتها فيه نحو قوله تعالى : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } [ البقرة : 26 ] إلا في ضرورة الشعر كقوله : فأما القتال لا قتال لديكم . . . ولكن سيرًا في عراض المواكب وأما حذفها في قوله تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ } [ آل عمران : 106 ] فالأصل فيقال لهم : أكفرتم فحذف القول استغناء عنه بالمقول فتبعته الفاء في الحذف ، ورب شيء يصح تبعًا ولا يصح استقلالاً كالحاج عن غيره يصلّي عنه ركعتي الطواف ، ولو صلّى أحد عن غيره ابتداء لم يصح على الصحيح قاله ابن هشام . وتلخص منه أن الفاء لا تحذف في غير الضرورة إلا مع القول ، وعورض بأنه ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال : أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطًا . وأجيب : بأنه يجوز أن يكون هذا الحديث مما حذف فيه الفاء تبعًا للقول والتقدير ، فأقول : ما بال رجال ؟ فالأولى النقص بما وقع هنا في حديث عائشة . وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا وبقوله عليه الصلاة والسلام : أما موسى كأني أنظر إليه إذ ينحدر في الوادي ، ولذا قال ابن مالك في التسهيل : ولا بدّ مع أما من ذكر الفاء إلا في ضرورة أو ندور ، وللكشميهني : فإنما طافوا فأتي بالفاء قبل إنما في جواب أما ، وفي هذا الحديث دليل على أن القارن يجزيه طواف واحد وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور ، وكذا يجزيه سعي واحد . وقال أبو حنيفة في آخرين عليه طوافان وسعيان ، واستدلّ لذلك في فتح القدير بما رواه النسائي في سننه الكبرى عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال : طفت مع أبي وقد جمع الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى سعيين . وحدثني أن عليًّا - رضي الله عنه - فعل ذلك وحدثه أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل ذلك . قال العلامة ابن الهمام : وحماد هذا وإن ضعفه الأزدي فقد ذكره ابن حبان في الثقات فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن مع أنه روى عن علي بطرق كثيرة مضعفة ترتقي إلى الحسن ، غير أنا تركناها واقتصرنا على ما هو الحجة بنفسه